فوزي آل سيف
89
الأعظم بركة الإمام محمد الجواد
وكأنّ هذا الجواب تقبله عدد من العلماء من كتّاب سيرة الإمام عليه السلام فقد أشار إليه السيد محمد تقي المدرسي بقوله: «كما أنّ من الممكن كون الأسئلة وُجِّهت إلى الإمام في أيام متعددة مع وحدة المجلس، فيكون مجلسه أشبه بالمؤتمرات التي تطول أياماً تباعاً يقضونها بالبحث باستثناء أوقات الراحة والطعام»[220]. ورأى الشيخ عبد اللطيف البغدادي أنه ذلك هو الظاهر من لفظ الراوي فقال: «والظاهر لنا أن مراد الراوي من المجلس الواحد الذي سُئِل فيه الإمام عليه السلام عن ثلاثين ألف مسألة هو المكان المعّد لجلوسه فيه للناس، كما يقال مثلاً: ذهبت اليوم إلى مجلس زيد أو عمرو ورأيت كذا أو سمعت كذا... الخ، فالإمام سئل في مجلسه ذلك للناس، عن ثلاثين ألف مسألة، فالراوي عيّن نوعية المكان الذي سُئِل فيه الإمام، وأنه مكان واحد وهو الذي يستقبل به الناس دون غيره من الأماكن الأخرى، ولم يعيّن الوقت، والوقت يعرف من القرينة، والقرينة دالة على أن الناس كانوا يتوافدون على الإمام في موسم الحج من جميع النواحي والأقطار والأمصار ليتعرفوا عليه ويسألوه عما حملوا إليه من الأسئلة الكثيرة الكتابية والشفوية، فكان عدد تلك الأسئلة التي وجّهت إليه وأجاب عنها ثلاثين ألف مسألة».[221] وكذلك أشار إليه السيد جعفر العاملي حيث رجح ثبوت كلمة «ثلاثين ألف» في كتابه الحياة السياسية للإمام الجواد. وأضاف العلامة المجلسي وجوها أخر للجواب على الاشكال المذكور؛ حتى بلغت سبعة وجوه، كما في مرآة العقول؛ بالإضافة إلى ما مر ذكره. أنه يمكن أن يكون في خواطر القوم أسئلة كثيرة متفقة، فلما أجاب عليه السلام عن واحد فقد أجاب عن الجميع. أن يكون إشارة إلى كثرة ما يستنبط من كلماته الموجزة المشتملة على الأحكام الكثيرة، وهذا وجه قريب. أن يكون مبنيا على بسط الزمان الذي يقول به الصوفية لكنه مخالف للعقل. أن يكون إعجازه عليه السلام أثر في سرعة كلام القوم أيضا أو كان يجيبهم بما يعلم من ضمائرهم قبل سؤالهم. ما قيل أن المراد السؤال بعرض المكتوبات والطومارات فوقع الجواب بخرق العادة. نهاية المطاف: أظن أن الأوفق بالجواب هو الطريق الأول كما أفاده المحقق الشعراني، فلا ملزم لنا بالتعبد بكلام إبراهيم بن هاشم الذي ينقل انطباعا وصورة عن مجلس من المعلوم يقينا أنه لا يمكن قبول مضمونه، ولذلك صار الجميع في حيص وبيص لتوجيهه وصرفه عن ظاهره في محاولات لم تكلل في غالبها بالقبول!
--> 220 المدرسي؛ السيد محمد تقي: الإمام الجواد عليه السلام قدوة وأسوة، ٢٥ 221 البغدادي؛ الشيخ عبد اللطيف: التحقيق في الإمامة وشؤونها ١١٥